عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

458

اللباب في علوم الكتاب

بالإرداء وبالتخليط وإدخال الشّبهة عليهم في دينهم . والجمهور على « وليلبسوا » بكسر الباء من لبست عليه الأمر ألبسه ، بفتح العين في الماضي وكسرها في المضارع ؛ إذا أدخلت عليه فيه الشّبهة وخلطته فيه . وقد تقدّم بيانه في قوله : وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ [ الأنعام : 9 ] . وقرأ النخعي « 1 » : « وليلبسوا » بفتح الباء فقيل : هي لغة في المعنى المذكور ، تقول : « لبست عليه الأمر بفتح الباء وكسرها ألبسه وألبسه » والصّحيح أن لبس بالكسر بمعنى لبس الثياب ، وبالفتح بمعنى الخلط ، فالصّحيح أنه استعار اللّباس لشدّة المخالطة الحاصلة بينهم وبين التّخليط ؛ حتى كأنّهم لبسوها كالثياب ، وصارت محيطة بهم . قوله : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ والضّمير المرفوع للكثير والمنصوب للقتل للتصريح به ، ولأنّه المسوق للحديث عنه . وقيل : المرفوع للشّركاء والمنصوب للتّزيين . وقيل : المنصوب للّبس المفهوم من الفعل قبله وهو بعيد . وقال الزّمخشري « 2 » : « لما فعل المشركون ما زيّن لهم من القتل ، أو لما فعل الشّياطين أو السّدنة التّزيين أو الإرداء أو اللّبس ، أو جميع ذلك إن جعلت الضمير جاريا مجرى اسم الإشارة » . قوله : « فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ » تقدّم نظيره « 3 » . فصل في المراد من الآية المعنى : ولو شاء اللّه لعصمهم حتى ما فعلوا ذلك من تحريم الحرث والأنعام ، وقتل الأولاد فذرهم يا محمّد وما يفترون يختلقون في الكذب ، فإن اللّه لهم بالمرصاد . قال أهل السّنّة « 4 » : وهذا يدلّ على أن كلّ ما فعله المشركون - فهو بمشيئة اللّه - تبارك وتعالى - . وقالت المعتزلة : إنه محمول على مشيئة الإلجاء « 5 » كما سبق . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 138 ] وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاَّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 138 ) وهذا نوع ثالث من أحكامهم الفاسدة ، وهو أنّهم قسموا أنعامهم أقساما :

--> ( 1 ) ينظر : الدر المصون 3 / 194 البحر المحيط 4 / 233 ، المحرر الوجيز 2 / 350 . ( 2 ) ينظر : الكشاف 2 / 70 . ( 3 ) الآية : 112 الأنعام . ( 4 ) ينظر : الرازي 13 / 169 . ( 5 ) ينظر : المصدر السابق .